محمد غازي عرابي

1025

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

فمن شاء أن يبلغ هذا الفلك الأقصى ، ومن أراد أن يشق طريقه من محيط الدائرة الوجودية إلى مركزها فما عليه إلا أن يركع ليفهم ، أما سارتر الفيلسوف الوجودي الملحد فلقد رفض ذلك قائلا : لن أركع حتى أفهم ، فكان جزاؤه فلسفة وجودية حائرة مضيعة تقوم على قواعد من المصادفة والوجود والعدم . وما تشاؤون إلا أن يشاء اللّه ، هو الذي يصطفى من عباده عبدا يصنعه على عينه ، ويكشف عنه الغطاء ، ويريه آياته في الآفاق وفي نفسه إنه هو المليك الحر ، يفجر من النفس التي صارت عجوزا عقيما عيونا من العلم ، وأنهارا من الحكمة ، سبحانه هو مالك النفس وبارئها وجاعل المعلومات فيها منقوشة ، حتى إذا شاء جعل ما هو بالقوة بالفعل ، إنه على كل شيء قدير . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 31 إلى 37 ] قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ( 34 ) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 37 ) [ الذاريات : 31 ، 37 ] الإشارة إلى أصحاب الحواس الحسية الذين أرسل عليهم حجارة من طين ، والطين هو الصلصال والحمأ المسنون الذي خلق منه آدم ، فتصبح القضية كالتالي : الإنسان شطران ، شطر من طين أو مادة ، وشطر من روح ، أما شطره المادي فتتبعه حواسه ، ومعها نفسه الطينية التي لا انفكاك لها عن المادة ، وأما شطره الروحي فهو ذاته التي هي جزء من الذات الإلهية وسميت النفس الناطقة الشريفة ، ولهذا قلنا إن آدم جمع في شخصه النهائي واللانهائي ، المادي والروحي ، الثابت والتحول ، العدم والوجود . والآيات تشير إلى أن من لم يتوجه إلى شطره الروحي فسيظل قيد شطره النفسي المادي ، قال الإمام الغزالي : من لم يسافر إلى عالم الملكوت ، وقعد به القصور في عالم الشهادة فهو بهيمة بعد ، محروم من خاصية الإنسان ، بل أضل من بهيمة ، وقال الإمام المرسي : من لم يتغلغل في هذه العلوم أي علوم التوحيد مات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم . وقولنا الحواس حسية قد فصلنا الكلام فيه في كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير ، فهذه الحواس تولد مع الجسد ، وتنمو بنموه ، وتبلغ أشدها ، ثم تضعف ، ثم تموت بموت الجسد ، فهي منه وهو منها ، وهما جميعا آلة للحق لأن عالم العيان كله للحق ، ومن صنع الحق ، وإن كان صادرا من العدم وصائرا إلى عدم ، فالحواس وإن كانت مراكزها الدماغ والدماغ مادي ، إلا أن القوة التي تجعلها تعمل هي روحية .